تطيب الليالي لسُمّارها وتعود الطيور لأوكارها

4 weeks ago 7
الطيب صالح من أكبر وأشهر أدباء العرب في القرن العشرين، ويكفي هنا تذكر روايته الشهيرة "موسم الهجرة إلى الشمال". لكن المدهش هو تعرض معظم أعماله للإهمال، فجاءت النسخة الإنكليزية لرواية "منسي: إنسان نادر على طريقته" لتثلج صدور معجبي هذا الكاتب السوداني. مارسيا لينكس-كويلي قرأت الكتاب لموقع قنطرة. | هذه الرّواية ليست أدبًا "مَنسِيَّا"، كما في حالةِ مجموعة قصَص "هَمس النُّجُوم" لنجيب محفوط التي اكتُشِفَت مؤخّرًا. كتابُنا هنا هو من أعمال صَالح غير الرّوائيّة التي أصدَرَها في مرحلةٍ متأخِّرةٍ من العُمر. في أغلب أحداث الكتاب، ترسُمُ لنا رواية مَنسِي لوحةً لزميلٍ وصديقٍ لصَالح، يُعرَفُ بأسماءَ بَديلة مثل: مايكِل جوزيف، مَنسِي يوسِف بَسطاوْرُوس، ود. أحمد مَنسِي يوسِف. هذا الرّجُل المُتَكَرِّش القصير القامة القادم من عُمق صَعِيد مصر، الذي يَذكُر صَالح [على حدّ قول مَنسِي] أنّ له طاقة "نابُوليونيَّة". غير أنّ غريزَة مَنسِي العارمة لم تكُن مُكرَّسةً للسَّيطرةِ على العالم، بل للألاعيب، والمُغامَرات، والاِحتِجاج، والمُضحِكات، و"شُغل الأَوَنطَة"، وَفقًا للرّواية. ظهرَت روايةُ "مَنسِي" باللغة العربيّة لأوّل مرَّة عام 2004، بعد فترةٍ ليسَت بقصيرة من تَوَقُّفِ صَالح عن كتابة الرّوايات. وعلى عكس كتاباتِه الأكثر شُهرة وبلاغة، لا يَرتَكِزُ هذا العمل حول قريةِ "وَد حامِد" السُّودانيّة المُصَوَّرَة بإبداع. فقد كان ذلك في أيّام القصَص القصيرة التي خطَّها صَالح في أوائل الستّينيات، مثل "عُرس الزّين" (1964) وموسم الهجرة إلى الشَّمال (1966)، وروايَتَيه القَصيرتَين "بَندرشاه" (1971 و 1976). لاحِقًا، أي بَعد صُدور رواية "بَندرشاه" الثانية، لم يَنشُر صَالح شيئًا، رغم أنّه قد عاش لثلاثةِ عُقُودٍ من الزَّمن بَعدَها. تحوُّلٌ نحو الأعمال غير الرّوائيّة في أواخر الثّمانينيات، بَدَأَ صَالح بنَشر مقالاتِه الأدبيّة في مجَلّة "المجَلّة" اللندنيّة. نُشِرَت المقالات على حَلقات بعُنوان "مَنسِي" لأوّل مرّة عام 1988، بعد سَنةٍ من وفاةِ صديقِة؛ هذا ما يُخبِرنا به عادل بابِكِر في مُقدِّمته للتّرجمة الإنكليزيّة. فيَجتَمِع شَملُ صَالح مع صديقِه في ثَنايا النُّسخةِ العربيّةِ لهذا الكتاب، التي صَدَرَت بَعد ستَّة عَشَر عامًا من وفاة مَنسِي. إلّا أنّ روايةَ "مَنسِي: إنسانٌ نادرٌ على طريقته" لا تَبدُو كمجموعةٍ من المَقالات مُرَتَّبة في كتاب، بل على العكس، تَكشِفُ لنا صفحاتُ القصّة عن روايةٍ قائمةٍ بحدّ ذاتها، عبر فصول قصيرة سريعة الوَتَيرَة، تنتهي بعضُها بأحداث حابِسة للأنفاس، ممّا يَترُكُ القارئ متسائِلًا إن كان مَنسِي سَيُرَحَّل عن المملكة المتَّحِدة؟ أَم، هل ستُؤدِّي تصرّفاتُه إلى فَصلِ الطيّب صَالح من عَمَلِه؟ وما هو المَسلَكُ الجُنونيّ الذي سيَتَّبِعُه بعد ذلك؟ يُخَبِّرنا بابِكر في مقدّمة التّرجمة بأنّ الكثير من القُرّاء العرب "لم يقرَأُوا الكتابَ كرواية". من السّهل أن نتعَرَّف على سبب سوء الفَهم هذا، لأنّ مَنسِي يظهَرُ في الرّواية كمُحتالٍ قادِر على عَمَل ما هو أكثر من مُجرَّد تهريب كميّاتٍ هائِلة من الملابِس الدّاخليّة النّسائيّة من الجَمارك اللبنانيّة. وها هو يتمَكَّنُ من اقتِحام قصر بَكِنْغْهام ليُقَدِّمَ نفسَهُ إلى الملكة إليزابيث، ومن مُصاهَرَةِ عائلةٍ من النُّبَلاء الإنكليز، ومن القَفز على المَسرَح لمُحاجاةِ عُضو البرلمان البريطاني ريتشارد كرُوسمان في القضيّة الفلسطينيّة. مع أنّ مَنسِي لم يَعرف عن فلسطين سِوَى القليل القليل، كما أخبَر صَالح قبل بَدء المُناظَرة بدقائِق، "بَلاش غَلَبَة. بَس انتَ قُول لي بسُرعَة إيه حكاية وَعد بلفُور ومش عارف إيه وشُغل الحَلبَسَة دا." بالنِّسبة لترتيب أحداث الكتاب بين أيدينا، يُمكِنُنا أن نَسمَعَ أصداءَ رواية صَالح الأكثَر شُهرة "موسم الهجرة إلى الشَّمال". لا يَختلِف مَنسِي –ذو الثِّقَل الأكبَر من مَوازين هذه الدُّنيا– كثيرًا عن مصطفى سَعيد في "موسم الهجرة": كلاهما يَملِكُ حُضُورًا غامِضًا وطاغِيًا. وهناك أيضًا تشابُه في مَقُولةِ القِصّة التي تتمَحوَرُ حول الرّاوي، أي الطيّب صَالح في "مَنسِي". فنعيشُ مع الرّوائيّ الكبير أيّامَ عملِه في هيئة الإذاعة البريطانيّة، ومع الحكومة القَطَريّة في وقتٍ لاحِق. غَيْر أنّ حَبْكَة العلاقة ما بين الرّاوي وموضوع الرّواية في "مَنسِي"، خِلافًا لِـ "موسم الهجرة إلى الشَّمال"، غالِبًا ما تتجَلّى بأُسلوبٍ كوميديّ. لدرجة أنّ صَالح يُلَمِّحُ بأنّه ومَنسِي يَشبَهان الثُّنائيّ الكوميديّ الأمريكيّ "لُورِيل وهاردِي"، ممّا يُدخِل البَهجَة في النَّفس عند سَماع ضَحكة الرّاوي-الرّوائيّ. إعجابٌ وافتِتانٌ واستِفزاز يُخبِرُنا صَالح بأنّه التَقى مَنسِي أوّل مرّة عام 1953، بعد وصول الثّاني إلى بريطانيا بفترةٍ قصيرة. كان صَالح يعمَلُ حينَها في القِسم العربيّ في هيئة الإذاعة البريطانيّة، فيما يبدو أنّ مَنسِي كان يقوم بأعمالَ ثانويّة هناك. توَطَّدَت بينهُما صداقة قويّة لكن غريبة نوعًا ما، كانت بدايتها محاوَلة مَنسِي تقديم رَشوةٍ لصَالح، على هيئةِ زوجِ جواربَ من نوع رخيص. بالنِّسبة لصَالح، كانت علاقتهُما مَزيجًا من الإعجاب والاِفتِتان والاِستِفزاز. مع ذلك، فقد صَمَدَت الصّداقة لأكثَر من ثلاثة عُقُود، رغم كُلّ المواقِف التي ورَّط مَنسِي فيها صَالح: مع رُؤسائِه في العَمَل، وفي علاقاتِه الاِجتِماعيّة، ومع حُكوماتٍ عِدّة. يَصِفُ صَالح صديقَه مَنسِي، قائلًا: "ترَهّل جسمُه، وصار له كِرشٌ كبير، ومُوخِّرَةٌ بارزة، فكأنّك تنظر إلى كُرةٍ شُقَّت نِصفَين، نِصفٌ أعلى ونِصفٌ أسفَل." ثم يَنعَتُه بِزير نساء، "ومع ذلك، لم يَعْدَمْ طوال حياتِه نساءً يُحبِبنَه." تعرَّفَ مَنسِي على زوجتِه الأولى، وهي امرَأةٌ إنكليزيّةٌ ثريّة من أُسرَةٍ عريقة تنحَدِرُ من سُلالة "سير" تُوماس مُور، في اجتِماع لنادي  "شباب حِزب المُحافِظين". وبين عشيةٍ وضُحاها، انتَقَلَ مَنسِي من غُرفَتِه البسيطة إلى دارٍ فَخمة في حَيٍّ عريق. مع أنّ صَالح يُصَوِّرُ مَنسِي كحكواتيٍّ ساحِر، إلّا أنّ صاحبَه لم يُسَيِّر مُخَيِّلَتَه تُجاه أيّ ضربٍ من ضُروبِ الفُنون. قام مَنسِي، على سبيل المِثال، بأداء أدوار تمثيليّةٍ صغيرة في بعض الأفلام، وكان يُحاولُ أن يستغِلَّ علاقاتِه الاِجتماعيّة دُونَ كَلَلٍ أو مَلَل للوُصولِ إلى مكانةٍ أكبَر وأعلَى.      "ولو كانت عنده أدنَى موهِبة في التّمثيل" -يكتُب صَالح- "لحَمَلَتهُ تلك الصِّفات بعيدًا، ولكنّه كان مُمَثِّلًا مَوهوبًا في الحياةِ فقط، أمّا في ’الفَنّ‘ فكان شيئًا آخَر. ما إن يَقِف أمام الميكرُفُون أو الكاميرا، حتّى يُصبِح فاتِرًا أو يُبالِغ في الأداء فيَبدُو سَخيفًا." من مُغامَرات مَنسِي الإضافِيّة كتابَةُ المَسرَحِيّات، والتي وَجَدَها صَالح "مَيِّتَة ليس فيها حَياة". مع هذا، تَمَكَّن مَنسِي من اختِراق الحواجِز الهادِئة والمُنعَزِلة لشَخصِيّةٍ كبيرةٍ دُونَ غيرها، مُتَمَثِّلة في الكاتِب المَسرَحِيّ الإيرلندِيّ الكبير الحاصِل على "جائزة نُوبِل في الأدَب"، ساميُول بِكِتْ. يَبدُو صَالح وكأنّه مصابٌ بشيءٍ من الغَيرة، فيكتُب: "ماذا وَجَدَ ساميُول بِكِت في مَنسِي؟" ثمّ يُضيف "لعَلّهُ وَجَدَ فيها [في كتاباتِه] شيئًا جَذّابًا، كما يَجِدُ كبارُ الرّسّامين أحيانًا أشياءَ جَذّابَة في رُسُومِ الأطفال؟" بالنِّسبة لنا، لا يُمكِنُنا أن نحكُمَ على كتابات مَنسِي، إذ أنّه لم يَنشُر أيًّا من أعماله الأدبيّة. حين نَقُومُ بالبحث في مواقِع الصّحافة البريطانيّة عبر الإنتَرنِت، على سبيل المثال، لا تَظهَر لنا أيّ نتيجةٍ بِاسمِه. شيءٌ مؤسفٌ حقًّا، لا سيّما وأنه قد وَضَعَ نفسَه في أكثر من مأزِق رفيع المُستَوى أثناء حياتِه الفَريدة. يَمضِي مَنسِي في هَذَرهِ لتَصِلَ به الجُرأة أن يَدَّعِي بأنّ الأميرة مارغريت قد وَقَعَت في غرامِه، فنَجِد أنفُسَنا على انتظار أن يظهَرَ في أيّ لحظةٍ على شاشَة المُسَلسَل التّلفزيونيّ البريطانيّ "التّاج"، الذي يتناولُ سيرةَ الملكة إليزابيث.  ليس هذا الكتاب بروايةٍ غامِضَةٍ أو مُعَقَّدة التّركيب كما في "موسم الهجرة إلى الشَّمال" أو "بَندرشاه". لكنّه يأخذُ المُتلقِّي في رحلةِ قراءةٍ حَثِيثَةٍ ومُمتِعة، ويُسَلِّطُ الضّوءَ كذلك على حياةِ البَعض في الشَّتات العربيّ أثناء السّتينيات والسّبعينيات من القرن الماضي. لكن عِوَضًا عن التَّبَحُّر في غُربَتِه ومَنسِي في المملكة المتَّحدة، يَصِلُ صَالح بنا إلى مُستَقبلٍ حين ينتهي فيه الاِغتِراب. يَختِمُ صَالح كتابَه مُتَمَنِّيًا، بغِنائيَّةٍ أقرَب إلى الحِكاية الشّعبِيّة منها إلى الرّوائِيَة، أن تتغيَّرَ الأوضاع في العالم العربيّ، "حينئذٍ، سوف تَطيبُ الليالي لسُمَّارِها، وتعودُ الطّيورُ لأوكارها[.]" وتبقَى الأُمنية الأخيرة في الرّواية أن تَضَعَ الحربُ أوزارَها في لبنان والسّودان، وعلى الأخَصّ، أن يُصبِحَ حُلمُ العودةِ إلى فلسطين قَريبَ المَنال.     مارسيا لِينكس-كوِيلي ترجمة: ريم الكيلاني حقوق النشر: موقع قنطرة 2021 ar.Qantara.de    
Read Entire Article